التّربية المدنيّة
ربّما يعتقد البعض، أنّ مادّة التّربية المدنيّة هي أسهل المواد، وأقلّها أهميّة (إذا قيّمناها بالعلامات)، بل يصل الأمر إلى حدّ الاستخفاف بها، فهي ليست مادّة علميّة ولا أدبيّة، إنّما هي – برأي البعض – مثاليّات غير موجودة، والواقع يختلف تماماً (بضع صفحات نحفظها ونأخذ عليها علامتين ثمّ ننساها).
أمّا الحقيقة، فشيء آخر، إنّ المتفحّص الدّقيق ليرى فيها أهمية وخطورة كبيرة من حيث الدّور. فإذا أردْنا معرفة أهميّة شيء، تحتّم علينا فهمه أوّلاً.
عبارة (التّنمية المدنيّة) مؤلّفة من كلمتيْن، الأولى "تنمية" من النّموّ، ينمو، يكبر، يربّى على شيء. وحتّى تربّي شخصاً على شيء أو تعوّده عليه، يجب أوّلاً أن تحبّه. مثلاً إذا أردت أنْ تعلّم طفلاً خصلةً معّينةً، عليك أن تحبّبه فيها أوّلاً.
أما الكلمة الثّانية (مدنيّة): أي كلّ ما يرتبط بها من قوانين وأنظمة وأرض وشعب وسلطة.
وبالتّالي، لكي يصل إلى تطبيق قواعد العيش في المدينة، عليه أوّلاً أن يحبّ مدنيته ويقتنع بما يفعله.
أعتقد أنّ هذه هي الفكرة الرّئيسة التي تدور حولها هذه العبارة وهي حبّ الوطن أوّلاً وثانياً وأخيراً.
حبّه بالفعل وليس فقط بالقول، حبّ الوطن بأبسط التّصرّفات التي نقوم بها في حياتنا اليوميّة.
نحن نتغنّى كثيراً بحبّ الوطن، لكنّ هذا الحب لا نقرنه بالعمل. قرأت يوماً مقالة عن اليابان أن ليس لها نشيد وطنّي؛ لأن اليابانيين يعبّرون عن حبّهم لوطنهم بالعمل وليس بالكلام، ولقد أصبحوا من أهم الدّول المتقدّمة تكنولوجيّاً وعمليّاً.
أحبَّ وطنك، إفعلْ شيئاً، إزرعْ شيئاً، إبْنِ، فكلّ مواطنٍ مهما كان بسيطاً هو مهمٌّ لوطنه بطريقة ما.
فأحبّ وطنك، أحبّ الآخرين، إنفتحْ عليهم، تقبّلْهم كما هُم، إنّهم إخوتك وهم سندك في النّهاية. تحبّبْ إلى الآخرين وانشر روح المحبّة والألفة في الوطن وهي أكبر خدمة تؤديها لهذا الوطن الحبيب.
قال تعالى: }ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ{.